خلف ستار الحرس الثوري: كيف تحولت المسيرات الإيرانية إلى 'شبح' يهدد مضيق هرمز؟

 

خلف ستار الحرس الثوري: كيف تحولت المسيرات الإيرانية إلى 'شبح' يهدد مضيق هرمز؟

في ظل التصعيد المستمر والتوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الخليج العربي، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة القوة العسكرية الإيرانية وهيكليتها الفريدة. فبينما تعتمد معظم الدول على جيش وطني موحد، نجد أن الحرس الثوري يمثل ركيزة موازية للقوات المسلحة التقليدية، وهو الجهة التي باتت اليوم تقود استراتيجية "الحرب غير المتناظرة" عبر تطوير ترسانة ضخمة من الطائرات المسيرة الانتحارية، التي يراها المحللون سلاحاً حاسماً في الرد على الهجمات الأميركية والإسرائيلية.


سلاح الفقراء الذي أربك الحسابات الكبرى

لطالما اعتمدت القوى العظمى على التفوق الجوي من خلال مقاتلات "إف-35" التي تصل تكلفتها إلى مئات الملايين من الدولارات، لكن طهران اختارت مساراً مغايراً تماماً. فبدلاً من الاستثمار في سلاح جو تقليدي مكلف ويصعب صيانته تحت وطأة العقوبات، ركزت جهودها على تقنيات "بدائية لكنها فعالة".

تعتبر مسيرة شاهد، بوزنها البالغ 200 كيلوجرام، تجسيداً لهذا الفكر العسكري. هذه الطائرات لا تحتاج إلى مدارج ضخمة أو بنية تحتية معقدة؛ بل يتم إطلاقها باستخدام معززات صاروخية بسيطة تسقط بعد الإقلاع، ليتولى محرك مكبسي متواضع المهمة. المثير للسخرية في هذا المشهد العسكري هو الفجوة الهائلة في التكلفة؛ فبينما تنفق واشنطن المليارات، تمكنت مسيرة لا تتجاوز تكلفتها 30 ألف دولار من ضرب أهداف استراتيجية وتجاوز دفاعات جوية متطورة، مما يطرح تساؤلات محرجة حول جدوى الاستثمار في طائرات كلفتها 700 مليون دولار تقبع في قواعد عسكرية بينما تحوم فوقها "دراجة نارية طائرة" قادرة على تعطيلها.

تقنيات "شاهد" وتحول موازين القوى

تعتمد إستراتيجية إيران الحالية بشكل أساسي على مسيرات "شاهد 136"، وهي النسخة ذات المدى الأطول الذي يصل إلى 2000 كيلومتر. هذه المسيرات يتم توجيهها بدقة عبر إحداثيات مسبقة البرمجة، وتطير على ارتفاعات منخفضة لتجنب الرادارات.

لماذا يصعب التصدي لها؟

  • تكتيك السرب: لا يتم إطلاق طائرة واحدة، بل "وابل" من المسيرات. حتى لو أسقطت الدفاعات الجوية 90% منها، فإن وصول طائرة واحدة فقط إلى مصفاة نفط أو محطة كهرباء كفيل بتحقيق خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات.

  • التكلفة الزهيدة: تكلفة الصاروخ الدفاعي (مثل الباتريوت) تتجاوز بمراحل تكلفة المسيرة نفسها، مما يجعل الاستمرار في التصدي لها عملية "استنزاف مالي" للخصم.

  • سهولة الإخفاء: تطلق هذه المسيرات من منصات متحركة يمكن وضعها في شاحنات مدنية أو مناطق مكتظة، مما يجعل ضرب مراكز إنتاجها أو إطلاقها تحدياً استخباراتياً وعسكرياً معقداً.


مضيق هرمز ومخاطر إغلاق الممرات الملاحية

تلوح طهران دائماً بورقة مضيق هرمز، وهو الممر الذي يمر عبره خمس النفط العالمي. وفي حين أن استخدام الزوارق السريعة والطوربيدات يمثل مخاطرة تشغيلية كبيرة في مواجهة الأسطول الخامس الأميركي، فإن المسيرات توفر "خياراً آمناً" لإيران.

يؤكد خبراء عسكريون أن الاعتماد على "شاهد" يقلل من الحاجة للمواجهة المباشرة وجهاً لوجه. فبدلاً من إرسال زوارق قد يتم تدميرها بسهولة، يمكن إطلاق المسيرات من عمق الأراضي الإيرانية لتهديد ناقلات النفط أو السفن الحربية. هذا الغموض في القدرة على شل الحركة الملاحية يضع الاقتصاد العالمي في حالة تأهب دائم، ويجعل من المسيرات "سلاح الردع" الأول في يد طهران.

استدامة الإنتاج وتوزيع المنشآت

رغم الضربات الجوية التي استهدفت منشآت تصنيع تابعة لشركة "شاهد للطيران" في مدينة أصفهان، إلا أن التقارير تشير إلى أن مشكلة المسيرات لم تُحل. فالتصنيع لا يعتمد على تكنولوجيا معقدة تتطلب مصانع عملاقة يسهل رصدها وتدميرها، بل يمكن توزيع خطوط الإنتاج على ورش صغيرة ومخازن تحت الأرض.

بعد صراع يونيو 2025، يبدو أن الحرس الثوري عمد إلى توزيع المخزون والإنتاج على نطاق أوسع. هذا التكتيك يضمن استمرارية "الزخم الهجومي" حتى لو تعرضت القواعد الرئيسية للقصف. إن القدرة على إنتاج هذه المسيرات بسرعة وتكلفة معقولة تعني أن مخزونات إيران ليست في طريقها للنفاد كما يروج البعض، بل ربما يتم "تقنين" استخدامها حالياً لضمان شن ضربات أكثر استدامة وطولاً، مما يطيل أمد الصراعات الإقليمية وينهك الخصوم.


كلمة أخيرة

في نهاية المطاف، غيرت مسيرات "شاهد" قواعد اللعبة العسكرية في الشرق الأوسط. لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الطائرات المقاتلة أو حجم الميزانيات الدفاعية، بل بالقدرة على الابتكار في ظل الحصار وبناء ترسانة "رخيصة وفعالة" يمكنها اختراق أحدث المنظومات الدفاعية. وبينما تستعد البحرية الأميركية لمرافقة السفن في الممرات الضيقة، تبقى طائرات الحرس الثوري المسيرة بمثابة "الشبح" الذي يهدد استقرار المنطقة، ويجعل من أي مواجهة قادمة صراعاً مختلفاً تماماً عما عهده العالم في الحروب التقليدية، حيث تتفوق "البساطة الذكية" على "التعقيد المكلف".


Comments

Popular posts from this blog

أفضل القنوات التلفزيونية لمتابعة الأخبار العالمية والمحلية

سعر الدولار مقابل الجنيه المصري

مباريات برشلونة: جدول المواجهات وأبرز التحديات القادمة